سفينة الأخلاق

الحمد لله ربِّ الأكْوان، خلق الإنسان علَّمَهُ البيان، عظيم المجد والسلطان، أجرى على خلقه آياتٍ باهراتٍ توقظ القلب وتستفِزُّ المشاعر، وتُلْجِمُ المُعَانِدَ والمُكابِر، نسألُهُ المَنَّ بالستْر الجميلِ وعدمَ الحرمانِ من الفضل الجزيل يوم العرضِ بالغُفْرَان.

اللهم إنا نسألك الإعانة على الإبانة والسير في منَاكِبِ الهدى يا واسع الخيرات.

يا أخا الإسلام:

كم سيدٍ متفضلٍ قد سبَّهُ

منْ لا يُسَاوي طَعْنةً في نعْلِهِ

وإذا استغابَ أخو الجَهَالَةِ عَالِماً

كانَ الدَّلِيلُ على غَزَارَةِ جَهْلِهِ

أرأيت عصفوراً يحارب باشقاً

إلا لخفَّتِهِ وقلَّةِ عقْلِهِ

واحرصْ على التَّقْوى وكُنْ مُتَأَدِّباً

وارغبْ عن القَوْلِ القَبيحِ وبُطْلِهِ

واستَصْحِب الحِلْمَ الشَّرِيفَ تِجَارةً

واعملْ بمفروضِ الكِتَابِ ونَفْلِهِ

واجْفُ الدنيءَ وإن تقرَّبَ إنَّهُ

يُؤْذِيكَ كالكَلْبِ العَقُورِ لأهْلِهِ

واحذرْ معاشرةَ السَّفِيهِ فإنه

يؤذي العشِيرَ بِجَمْعِهِ وبِشَكْلِهِ

واحبسْ لسانَكَ عنْ ردِيء مقَالِهِ

وَتَوَقَّ منْ عُثْرِ اللسَّانِ وزَلِّهِ

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له الملك الحق المبين، أثاب على حسن الأخلاق جزاءً من النعيم موفوراً، وحذَّرَ من سوء الخلق وجعله صاحبه في الناس مبغوضاً وعند الله مأزوراً.

وأشهد أن سيدنا محمداً عبد الله ورسوله وصفيه من خلقه وحبيبه، خيرُ الناس خُلُقاً وأعظمهم لله ديناً، نبي الأخلاق الكريمة والشمائل العظيمة والمُزكَي من ربه بوسام المكارم العليا والمثال الأوفى.

اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه أجمعين.

أما بعد:

فقد ظهرت في الأفق وعلى الواقع سحائبُ منذرةٌ وعلاماتٌ غيرُ مُسْتَتِرَةٍ تدلُّ على هبوطٍ عامٍّ في مجال الأخلاق، تُخِيفُ قلبَ الحَليمِ وتترك آثارها على الصغير والكبير والشَّيْبِ والفطيم، تترجم عن أزمةٍ خطيرةٍ يشتد بين الناس خُناقها منذ سنين مضت تُعَدُّ من أشد الفواقر إن لم تكن أخطرها على الإطلاق، ولا رادّ لها ولا عاصمٍ منها إلا بالعودة إلى الأخلاق الطاهرة والقيم العطرة، التي تعد كسفينة نوحٍ في الإنقاذ من الغرق في أتُون الإنحراف القِيَمِيِّ والسقوط الأخلاقيِّ.

فاركبوا فيها جماعاتٍ وفُرادَى قبل أن يفوتَ الأوان وينقضي من عمر الزمان، هذه سفينة الأخلاق قد ارتفع شراعها وظهرت علاماتها أن لا نجاة من الغرق في المهلكات إلا بها، وينادي عليك حاديها من قلوبٍ تَئِنُّ إلى عهد التُّقَى وجمال الأخلاق أن اركب معنا ولا تكن من المتخلفين فإن رسولك العظيم صلى الله عليه وسلم قد جمع فأوعى في بيانه الراشد المعَلِّمِ حين قال: " إنما بعثت لأُتمِّمَ مكارم الأخلاق " (الزرقاني في مختصر المقاصد 184 بسندٍ صحيحٍ عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه)، فإلى هذا النهج القويم يجب أن نَغُذَّ السير ولا طريق غيره،: ﴿ إِلَى الْهُدَى ائْتِنَا قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾ [الأنعام: 71]، إلى سفينة الأخلاق بلا اختيارٍ يجب أن ننهضَ ولا نقعد، تواصياً مؤكداً بالفعل لا بمجرد القول وتطبيقاً عملياً كما قام بذلك المجتمع الأول الصادق في تدينه الأخلاقيِّ الذي رباه النبي الكريم صلى الله عليه وسلم في المدينة النبوية.

وفينا عددٌ غير قليلٍ قد دنس قيمةَ الحرية بأطمارِ الفوضى المُرهِبة والصوت المرجف بالخوف أو الجدل المقيت أو الإرتكاس في بُنيات الطريق على غير هدى، وخصوصاً في مجال الأخلاق والقيم، وبدت في الأفق سحائبُ خطرٍ داهمٍ وبلاءٍ جاثٍ بعضهُ قائمٌ وكثيرٌ منه لا شك قادم، ذلك هو خطر غياب الأخلاق الكريمة التي كانت تحفظنا وتميزنا وكانت منا ونحن منها طول الزمان.

أما اليوم.. فقد تطاولت الأزمة وزادت المحنة واستحكم الأمر إلى طِلْبَةِ العلاج والاستشفاء، وليس لها من دون كاشفةٌ إن لم نسابق الزمن ونرقِّع الفتقَ ونُدَاوي الجروحَ بيد الماهرِ وقلب المشفق الخائف على أمته ووطنه.

يقول صاحب قصة الحضارة: " تتبعت انهيار اثنتين وخمسين أمة فوجدت أن أكثر أسباب الانهيار هو الجانب الأخلاقي"، وبين ذلك أمير الشعراء حين قال:

وإِذا أُصيبَ القَوْمُ في أَخْلاقِهِمْ *** فأَقِمْ عليهم مأْتِماً وعَويلاً

أيها الإخوة المؤمنون:

إنَّ أعظمَ وسامٍ إلهيٍّ كُرِّمَ به نبينا الكريم صلى الله عليه وسلم هو وسام الأخلاق الكريمة، قال الله تعالى: ﴿ وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ ﴾ [القلم: 4]، وجعل النبي الكريم صلى الله عليه وسلم أحبَّ الناس إليه وأقربهم إلى منزلته السامقة هم أهل الأخلاق الحسنة فقال: " إنَّ أحَبَّكم إليَّ وأقرَبَكم منِّي في الآخرةِ أحاسِنُكم أخلاقًا وإنَّ أبغَضَكم إليَّ وأبعَدَكم منِّي في الآخرةِ أسوَؤُكم أخلاقًا المُتشدِّقونَ المُتفيهقونَ الثَّرثارونَ" ( صحيح ابن حبان 5557 عن أبي ثعلبة الخشني رضي الله تعالى عنه)، ومع هذا ؛ فهناك زهدٌ وتجافٍ عن هذه المنازل المنيفة، واختلفت لغة التعامل بين الناس في ميدان الأخلاق اختلافاً بَيِّناً وصارخاً، وذابت في ضغط الحياة أجمل المعاني ودُرَرُ الأخلاق، وشعر المحتَرَمُون وأهل الأدب بالغربة المربكة بين الناس لكثرة بوائقهم في دنيا الأخلاق، وغدا من كانوا شامةً في جبين الزمن من روعة أخلاقهم يفزعون إلى رب الناس لقلة عددهم كأنهم يبحثون عن أرضٍ أخرى يرطبون فيها مشاعرهم من شدة الإصطكاك بهؤلاء البغام الجدد الذين لم يعبروا عن سمو خلقٍ ولا حسن تدينٍ.

قال النبي الكريم صلى الله عليه وسلم: (بدأ الإسلام غريباً وسيعود كما بدأ غريباً. فطوبى للغرباء) (صحيح مسلم 145 بسندٍ صحيحٍ عن أبي هريرة ري الله تعالى عنه)، ولا أضر على النفوس الصالحة من غربة الأخلاق التي عبرت عنها أم المؤمنين عائشة بنت الصديق رضي الله تعالى عنها حين قالت بعد وفاة والدها رضي الله تعالى عنه:

ذهبَ الذين يُعَاشُ في أكْنَافِهِمْ *** وبقِيتُ في خُلْفٍ كَجِلْدِ الأَجْرَبِ

كنا منذ سنين غير طويلة نتنسم ظلال المعاني الطيبة والأخلاق الكريمة، وكانت لغةُ التعامل بين الناس على قواعد الأصول الإجتماعية التي لا يجرؤ الأراذل أن يتخطونها، ومع بزوغِ سوءِ فهمٍ أو اختلاف بين اثنين كان الطرفان يهْرعَان إلى كبير العائلة يعلمانه الخبر ويسوقان له الشكوى، وكان للحق في حياة الخلق صولةٌ غير مبطلة وكان الحكم على الجميعِ قاضياً حيث تنفضُّ المجالس ولا يبقي إلا الوئام ومراسيم الاحترام، وقد تغيرت اليوم هذه المعالم بعد أن انتبذ كثيرٌ من الأفراد لغة الأدب والأصول والتحشم والتحاكم إلى مكارم الأخلاق ومحاسن الشيم، وعلى سبيل المثال فقد أحيا البعض كثيراً من الصور السلبية القديمة التي ظن أهل الأخلاق أنها ماتت، بيد أنهم أحيوا طقوسها وظهرت للعيان آثارها كالشجار بالأيدي وحمل السلاح الناري والحديدي وتزايد حالات الإغتصاب والسرقة وقطع الطرق وإهلاك الحرث وتسميم الحيوان وحرق البيوت مما يشكل لغةً جديدةً قد علا صوتها هذه الأيام.. فأين ضاعت لغة الأخلاق؟!.

تولتْ بهجةُ الدُّنيا

فكُلُّ جديدها خَلِقُ

رأيتُ مَعَالِمَ الخيْراتِ

سُدَّتْ دونَها الطُّرُقُ

فَلا حَسَبٌ ولا أَدَبٌ

ولا دِينٌ ولا خُلُقُ

ودار كأس البلاء في العدوى الطاحنة بين جُلِّ الأطياف حتى بين النُخب الثقافية التي يجب عليها حماية دساتير الأخلاق وروائع الشيم، فلا تكاد تشاهد لقاءً يجمع بين اثنين في نقاشٍ أو ندوةٍ إلا ويفتقد حوارها فروضَ الأدب ويفتقد كذلك طِلْبَةَ الحق بالإنصاف والتجرد من أوشاب الهوى ويجلِّلُ ذلك كله حبُّ الذات ومحاولة رِفْعَةِ النفس بإتباع الهوى والنُّفرة من الحق وإقصائه.

لهذا كله.. لا أُرَاوِحُ سمعَ البيان على الدوام في المطالبة بتدريس الأخلاق في دور التنشئة الأولى والمدارس الابتدائية والتوجيهية والثانوية والجامعية والمعاهد وصولاً إلى العالِمية كلٌّ على قدر احتياجه ونوعية الأخلاق التي تفيده بعد ذلك في عمله ومستقبله مع تعلم الأخلاق العامة لديننا العظيم، والظن - والله أعلم - أن أمتنا لن تتقدم في مجال القيم والتحضر الإنساني إلا بالأخلاق الإسلامية فهي قارورة الدواء لكل ما نَجَمَ على أرضنا من سخائمَ وأمراض.

ومن فاته تعلم الأخلاق في صغره فلا عليه أن يتعرف عليها بعين اليقين سمعاً وفهماً وتطبيقاً، وإلا ؛ فهو محتاج إلى مصحةٍ أخلاقيةٍ تعالج مرضه وتصلح أخلاقه كما طالب بها الشيخ الشرباصي منذ عشرات السنين، فماذا نقول في حالنا وإلى الله المشتكى.

حسن الأخلاق على الدوام:

والخُلُقُ كلمةٌ متداولةٌ بين الناس لكن لا يفهم معناها إلا القليل، فمن أعز وأشهر معانيها أن الخلق هو الصفة اللازمة التي لا تفارق الإنسان في جميع أوقاته، ومن هنا نفهم أن المطلوب هو التمسكُ الدائمُ بجميل الأخلاق وعدم إهدارها مهما تكن الأسباب فإن الكرم مثلاً من أعظم أخلاقنا لكن أعظم معانيه هو التمسك به على الدوام وليس التخلق به مرةً وينتهي زمانها، ولهذا فقد عاب القرآن الكريم على من تكرَّم بالعطاء مرةً ثم عاد إلى طبعه الدائم من الكدِّ والشحِّ والحرمان، قال الله تعالى: ﴿ أَفَرَأَيْتَ الَّذِي تَوَلَّى * وَأَعْطَى قَلِيلاً وَأَكْدَى ﴾ [النجم 33:34]، أفرأيت من تشجع مرةً ثم أضناه الجُبْنُ بعد ذلك في جميع مواقفه أيكون بذلك شجاعاً؟ كلاَّ.. وكذلك من تجرع مرارة الصبر مرةً ثم دوَّخه الجزع بعد ذلك طول حياته أيُعد بهذا صابراً؟.. كلاَّ، لأن التخلق بأخلاق الإسلام يفرض على المسلمين عدم تركها أبداً فهذا من معنى أنها أخلاق أي صفاتٌ لازمةٌ غير مفارقةٍ للمسلمين.

إن التلون في الأخلاق شأن المنافقين الذين لهم ألوان زور وبهتانٍ في التعامل مع الناس ولعلهم خبراء في ارتداء أقنعةٍ تصمهم بداهةً بالخزي بيد أنهم لا يصدقون عن أنفسهم ذلك، ولو أصلحوا من حالهم لعرفوا مغبة خلائقهم وسوء معشرهم.

وعلى هذا فنحن مأمورون أن نمارس أخلاق الإسلام مع كل الناس حتى مع غير المسلمين وفي جميع الأوقات وبنفس المقدار في التمسك بهذه الأخلاق حسبةً لوجه الله الكريم.

شامةٌ أخلاقيةٌ في جبين كل طائفة:

ولكل طائفةٍ مع أخلاق الإسلام خلق ظاهر لهم وعنوان عليهم ليس لهم أن يهملوه أو يفارقوه، فالذين يعملون لمجموع الأمة ويحتسبون القيام بهذا الجهد لله تعالى يجب عليهم جميعاً التخلق بالوحدة وعدم التشرذم وإلا فهم واهمون في تقديرهم لأنفسهم في المجال الأخلاقي، قال الله تعالى: ﴿ وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ ﴾ [المائدة: 2]، ورعاة الغنم يحتاجون إلى التذرع بالصبر وإلاَّ ؛ لا يصلحون لهذه المهمة ، وسبك الذهب يفتقر إلى الحذق والبراعة وإلا ؛ ما طُرِّزت أجياد الغيد بلوامعه، والعُبَّاد يشتهرون بالإنابة والتواضع، والتجار خلقهم الأمانة، والمعلمون خلقهم الرحمة والنصيحة والإرعاء للنشء وبذل الطاقة، وخلُقُ السياسيين حفظ الأمانات وعدم الغش ، والصحافيين رعاية الكلمة واحترام الحقائق، والقضاة يجب أن يكونوا حراساً للعدل والصناع والعمال يجب أن يتميزوا بالإتقان.

الأخلاق أساس العبادات:

وعلى أسس الأخلاق يجب أن نضع عباداتنا، بمعنى أن العبادات الكبيرة في الإسلام قامت على أساس الأخلاق فمن لا خلق له فقد أضاع عبادته، لأن الأخلاق المنشودة هي التي اكتسبها صاحبها من عبادته التي تنتظم فيها الصلاة والزكاة والصيام وغير ذلك من سائر الفروض التعبدية.

فالصلاة مانعة من الولوج في براثن الفحشاء والمنكر، قال الله تعالى: ﴿ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ ﴾ [العنكبوت: 45]، ولا شك أن هذا بُعداً أخلاقياً واضحاً، والصلاة أيضاً تشتمل أعطر الأخلاق كما ورد في القدسي: " قال الله عز وجل: إنما أتقبل الصلاة ممن تواضع بها لعظمتي ولم يستطل على خلقي ولم يبتْ مُصِرّاً على معصيتي وقطع النهار في ذكري ورحم المسكين وابن السبيل والأرملة، ورحم المصاب، ذلك نوره كنور الشمس، أكلؤه بعزتي، واستحفظه ملائكتي، أجعل له في الظلمة نوراً، وفي الجهالة حلماً، ومثله في خلقي كمثل الفردوس في الجنة " (الألباني في ضعيف الترغيب 283 بسندٍ ضعيفٍ عن عبد الله بن عباسٍ رضي الله تعالى عنهما)، ومجمل القول أنها تحجب صاحبها عن المعاصي وفي ذلك يقول النبي الكريم صلى الله عليه وسلم: " من لم تنهَهُ صلاتُهُ عن الفحشاءِ والمنكَرِ لم يزدَدْ بها من اللهِ إلَّا بُعْدًا " (السفاريني الحنبلي في شرح كتاب الشفاء 90 وقال: إسناده حسن عن عبد الله بن عباس رضي الله تعالى عنهما).

والزكاة طهرةٌ لباذل المال وقابِضِهِ على السواء، قال الله تعالى: ﴿ خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴾ [التوبة:103]، وذلك لذهاب الوَحَرِ والضغينة من نفس الفقير بعطاء الغني له، وإذهابٌ للكِبْرِ في نفس الغني كونه يؤدي حق الله في ماله.

وكذلك الصيام يؤسس على الأخلاق الكريمة من صبرٍ وبرٍ وإخلاصٍ مع البعد عن شوائن النعوت البغيضة كالسباب والتناجش أو القتال، قال النبي الكريم صلى الله عليه وسلم: " إذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث، و لا يجهل، فإن امرؤ شاتمه أو قاتله فليقل: إني صائم، إني صائم " ( السيوطي في الجامع الصغير 806 بسندٍ صحيحٍ عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه)، وندَّدَ النبي الكريم صلى الله عليه وسلم على من صام ثم كان قوله أو فعله من الزور حين قال: " من لم يدع قول الزور والعمل به، فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه" (صحيح البخاري 1903 عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه)، ولا غرو ؛ فقد كان الهدف الأسمى من عبادة الصوم هو حيازة التقوى، قال الله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴾ [البقرة:183].

وأما الحج فهو كذلك مؤسسٌ على الأخلاق الكريمة قال الله تعالى: ﴿ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدَالَ فِي الْحَجِّ ﴾ [البقرة: ة197]، وقال النبي الكريم صلى الله عليه وسلم: " من حج هذا البيت، فلم يرفث، ولم يفسق، رجع كيوم ولدته أمه " (صحيح البخاري 1820 عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه)

وعلى العموم فإن الغرض الأسمى الذي تتلاقى عنده العبادات أجمعها هو حسن الخلق.

صرامةٌ تشي بالتناقض:

ومن الناس من يشتد على نفسه في العبادة ويهتم بأدائها على أتم وجهٍ بل ويبالغ في قيام الليل والصيام والإعتمار والحفاظ المنضبط على حضور الجماعات - وهذا شئٌ طيبٌ - لكنه مع كل هذا يتردى في المجال الخلقي إلى دركٍ سحيقٍ وتلك هي بلواه التي لا يشعر بها ولا يعمل حسابها، فتراه سئ المزاج مع الناس متجهم الوجه عالي الصوت حادَّ النبرات وألفاظه لا تدل أبداً على حرصه على الجماعات فماذا استفاد أخلاقياً من عباداته؟! مع أن رسولنا الهادي صلى الله عليه وسلم قد حذر من هذا المسلك، فقد: " قيل للنبي صلى الله عليه وسلم: إن فلانةً تقوم الليل وتصوم النهار وتصدق وتفعل وتؤذي جيرانها بلسانها. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا خير فيها، هي من أهل النار. قالوا: وفلانة تصلي المكتوبة وتصدوا بأثوار ولا تؤذي أحدا. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هي من أهل الجنة" (البوصيري في إتحاف الخيرة المهرة 5 /490 وقال: إسناده صحيحٌ عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه)، وقال النبي الكريم صلى الله عليه وسلم: " أتدرون ما المفلس؟ قالوا: المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع. فقال: إن المفلس من أمتي، يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة، ويأتي قد شتم هذا، وقذف هذا، وأكل مال هذا، وسفك دم هذا، وضرب هذا. فيعطى هذا من حسناته وهذا من حسناته. فإن فنيت حسناته، قبل أن يقضى ما عليه، أخذ من خطاياهم فطرحت عليه. ثم طرح في النار " ( صحيح مسلم 2581 عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه)، و إذا كان العبد حريصاً على الصلاة والذكر والصيام وسائر صور التعبد لكنه يخرق هذا التميز في العبادة بسخائم الأخلاق فإنه يُخاف عليه الوقوع في براثن النفاق، قال صلى الله عليه وسلم: " آية المنافق ثلاث إذا حدث كذب وإذا وعد أخلف وإذا اؤتمن خان " (صحيح البخاري 6095 عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه).

ممارسةُ الأخلاق بغيرِ فهمٍ لها مُعْضِلةٌ كُبْرى:

والتكاليف الشرعية في باب العبادة والسلوك تحتاج إلى مُعَلِّمٍ ومتابعٍ والأخلاق تحتاج إلى مُلْهِمٍ وحَادِي يثير في النفوس التجمل بالأخلاق الطيبة المباركة، أما العبادات الشكلية فهي سهلة المنال لكل آخذ فمن السهل على الصغير والكبير أن يتوضأ ويصلي ويصوم ولكن من الصعب المجهد أن يلتزم بأخلاق هذه العبادات.

وكثير من الناس يمارس الخلق ولا يعرف حَدَّهُ ولا بُعْدَهُ ولا أَثَرَهُ ولا مَبْدَأَهُ ومُنْتَهَاهُ، وهناك خلطٌ شائنٌ بين المعاني في باب الخُلُقِ يجب تحريره حتى لا يصنع ضبابيةً فلا يتعرف الناس على الفرق بين الصبر والتبلد ولا بين الشجاعة والتهور ولا بين الصراحة والوقاحة ولا بين الكرم والإسراف ولا بين العفة والمرض النفسي.

ومكمن البلاء أن الجاهل والمُتَحَرِّفَ لأذى الناس ومدمن المخدرات والموظف المتفلت من عمله وآكل أموال اليتامى والنساء وسئ الخلق على العموم يتوهمون في نفوسهم أنهم من أهل الأخلاق العالية وهم الذين لم يسمعوا عنها إلا في الأحاديث الجانبية !، فهؤلاء ومعهم خلقٌ كثير قد شوهوا جمال الحياة بانتسابهم إلى الأخلاق.

ولا شك أن هناك طوائف من الناس قد زهدت في مجالس العلم طول حياتها ولم تعرف الأخلاق كما عرفها الإسلام، ولم يتوفر لها من الدعاة وأهل المحابر والمنابر من يحنو على هذه الفئام المخترَقَةِ في دنيا الإعلام من يشفق عليها لوجه الله فيوقف الناس على أخلاق الإسلام كما وردت في كتاب الله تعالى وسنة رسوله الكريم صلى الله عليه وسلم.

وحتى نصل إلى مبتغانا من الخلق الصالح فنحن نحتاج إلى علم وفهمٍ وتدريبٍ ومتابعةٍ وفوق كل هذا قدوةٌ حسنةٌ تلهم الخير في النفوس بلا ثرثرة ولا كثرة كلام.

فضل حسن الخلق:

وفضل حسن الخلق في الإسلام فضلٌ عظيمٌ لدرجة أن ترجمان القرآن وحبر الأمة عبد الله بن عباسٍ قال: " لكل بنيانٍ أساسٌ وأساس الإسلام حسن الخلق ".

وكان النبي الكريم صلى الله عليه وسلم يحب الخلق الحسن ويمارسه في صورة عمليةٍ تربويةٍ طيبةٍ، قال أبو الدرداء رضي الله تعالى عنه:" دخلنا على عائشةَ فقلنا: يا أمَّ المؤمنين ! ما كان خُلُقُ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم؟ قالت: كان خُلُقُه القرآنُ " (الألباني في صحيح الأدب المفرد 234 وقال: صحيحٌ لغيره)، وقال النبي الكريم صلى الله عليه وسلم: " اتَّقِ اللهَ حيثُ كنتَ وأتبِعِ السيئةَ الحسنةَ تَمْحُهَا وخالِقِ الناسَ بخُلُقٍ حسنٍ " (ابن العربي في عارضة الأحوذي 4/ 349 وقال: صحيحٌ عن أبي ذر الغفاري رضي الله تعالى عنه)، وقد حثَّ القرآن الكريم أتباعه دوماً على الخلق الحسن مع الناس حتى مع وجود العداوة وأشباهها، قال الله عز وجل: ﴿ وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ * وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ ﴾ [فصلت 34: 35]، وجعل النبي الكريم صلى الله عليه وسلم الخلق الحسن أثقل شيءٍ في ميزان العبد يوم القيامة فقال: " ما مِن شيءٍ يوضَعُ في الميزانِ أثقلُ من حُسنِ الخلقِ، وإنَّ صاحبَ حُسنِ الخلقِ ليبلُغُ بِهِ درجةَ صاحبِ الصَّومِ والصَّلاةِ " (الألباني في صحيح الترمذي 2003 وقال:صحيحٌ عن أبي الدرداء رضي الله تعالى عنه)، وقال صلى الله عليه وسلم: " إنَّ الرجلَ ليُدرِكُ بحُسنِ الخُلقِ درجةَ الساهرِ بالليلِ الظامئِ بالهواجرِ " (ابن عبد البر في التمهيد 24 /83 بسندٍ حسن عم أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها)، وقال الله تعالى: ﴿ خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ ﴾ [الأعراف: 199]، وقال النبي الكريم صلى الله عليه وسلم: " إنكم لن تَسَعوا الناسَ بأموالِكم، ولكن يَسَعهم منكم بَسْطُ الوجهِ، وحُسْنُ الخُلُقِ " (الألباني في صحيح الترغيب 2661 وقال: حسنٌ لغيره عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه)، ويقول حافظ إبراهيم:

إني لتطربني الخلال كريمةً

طربَ الغريبِ بأوبةٍ وتلاقِ

ويهُزُّني ذكْر المروءة والندى

بين الشمائل هزةَ المُشتاقِ

فإذا رُزِقْتَ خليقةً محمودةً

فقد اصطفاك مقسِّمُ الأرْزاقِ

والناس هذا حظُّهُ مالٌ وذا

علمٌ وذاك مكارمُ الأخْلاقِ

والمالُ إن لم تدَّخِرْهُ مُحصَّناً

بالعلم كان نهايةَ الإملاقِ

وأخيراً:

إننا نفتقر حتى النخاع إلى ثورةٍ أخلاقية يهبُّ ويتحمس لها المجمعُ العلميُّ وأهل العمل الاجتماعيِّ والمسئولُ والأسرةُ وهيئاتُ المجتمعِ الثقافية والشبابية المسئولة والمتطوعة، ولا يقلُّ هذا المطلب أهميةً عن حاجتنا إلى الغذاء والدواء.

فهيا يا بناة المجد إلى تأسيس سفينة الأخلاق كما بناها نبي الله نوح نبي الصبر في الدعوة والهداية، فمن سيبني أديمها ومن سيجهز شراعها ومن سيضفي عليها روعة الألوان ومن سيقودها بسم الله مجراها ومرساها؟.

خذوا من الأطيار خلق الرحمة ومداواة الجراح، ومن الحراس اليقظة ومن النحل الدَّأَب ومن البعير الصبر ومن أهل البلاء التجلد ومن أهل النعم العطاء والشكر ومن أهل التجمل في الخطاب وسامة اللفظ وعذوبة الحديث ومن الزهرِ النَّدِيِّ التَّأَلُّقَ وطِيبَ الابتسام.

واللهَ نسألُ أن يُحسّنَ أخلاقنا ويعلي بين الأنام أقدارنا إنه ولي ذلك والقادر عليه.

والحمد لله في بدءٍ وفي ختمٍ.

اخر المواضيع المضافة

الإيمان راحة وواحة

عدد الزيارات:15

التاريخ : 16-10-2019

محاسبة النفس

عدد الزيارات:39

التاريخ : 13-10-2019

معاني الوجود والهدف

عدد الزيارات:133

التاريخ : 06-10-2019

الوسطية: مفهومًا ودلالة

عدد الزيارات:153

التاريخ : 05-10-2019

أيها الأنام أفشوا السلام

عدد الزيارات:176

التاريخ : 01-10-2019

حصنوها بالعدل

عدد الزيارات:172

التاريخ : 30-09-2019