عامر الهوشان

أمر يتكرر في كل عام في رمضان , ويلاحظه كثير من المسلمين المصلين , ويشكل في رأيي تحديا لكل الدعاة إلى الله تعالى والمرشدين والمعلمين , لما ينجم عنه من تضييع لدرس عظيم من دروس رمضان الكريم , بل يعتبر مرضا خطيرا يعبث بجسد الأمة وينذر بإضعافه وإهلاكه , فما هو هذا الأمر يا ترى ؟

إنه الآنية وعدم الاستمرارية , إنه الولوغ في اللحظة الحالية والغفلة عن أهدافها وآفاقها , إنه الانفعال بأي حدث أو أمر قادم , والتفاعل معه تفاعلا عاطفيا ظاهريا شكليا , دون الغوص في التفكر في أغراضه ومراميه البعيدة , الأمر الذي يؤدي إلى الفتور والتراجع التدريجي في تطبيق أي أمر قرآني إسلامي , وهو ما يجعل المسلمين دائما منفعلين غير فاعلين , ومتأثرين غير مؤثرين .

ترى بعض المسلمين في بداية رمضان , ومع طلوع فجر اليوم الأول منه , يتوافدون نحو المسجد لأداء صلاة الفجر في جماعة بأعداد وفيرة , وبقلوب مقبلة إلى الله ومستنيرة , همتهم عالية لأداء الصلوات الخمس بالمسجد جماعة في رمضان , فإذا ما حان موعد صلاة التراويح من ذلك اليوم , لم تجد لك موطأ قدم أو مكانا للسجود , من كثرة الإقبال والزحام , وربما يتلو المسلم في الأيام الأولى من رمضان أكثر من جزأين من القرآن الكريم , في نية لختم القرآن في الشهر أكثر من مرة , في مشهد إيماني جميل ورائع , يجعلك تستبشر وتتفاءل في بداية هذا الشهر الكريم .

بيد أن أياما قليلة تمضي من هذا الشهر الكريم , ربما لا تتعدى العشر الأول منه , حتى تلحظ ويلحظ كثير من المسلمين تراجعا في أعداد المصلين في المسجد , سواء في صلاة الفجر أو في صلاة التراويح , وتراجعا في تلاوة القرآن الكريم , وتراجعا في الالتزام بعبادات و أخلاقيات وآداب هذا الشهر الكريم , بينما تشهد بالمقابل زيادة ملحوظة في أعداد الزائرين للمقاهي والأسواق , في مشهد يوحي بالآنية وعدم الاستمراية في أداء الطاعات والعبادات , والانفعالية وعدم الفاعلية مع كل موسم من مواسم الخير والطاعة , حيث يبدأ البعض محلقا كالصاروخ , ثم ما يلبث أن يفتر ويذوي شيئا فشيئا , حتى يختفي ويذوب .

إن المتأمل في نصوص القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة , يدرك الهدف الإيماني الكبير والغاية السلوكية العظمى من تشريع الله تعالى لفريضة الصيام , كما يدرك عظم المسافة بين مراد الله تعالى من ذلك التشريع , وسطحية التطبيق العملي لها من قبل بعض المسلمين .

لقد فرض الله تعالى الصيام على المسلمين بهدف تحقيق التقوى فيهم , قال تعالى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُون