كيف نكرم الجار؟

الحمد لله الكريم المنان، الرحيم الرحمن؛ رحم العباد فهداهم لدينه، وأرسل إليهم رسله، وأنزل عليهم كتبه، وأدبهم بشريعته فأحسن تأديبهم، فمن أخذ بآدابها كان محمودا عند الله تعالى، محبوبا إلى خلقه؛ لأن أدب الشريعة جاء على ما غرس في فطر الناس، نحمده حمدا كثيرا، ونشكره شكرا مزيدا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له؛ جعل الأخلاق والآداب من صميم العقيدة، ومن أصل الشريعة؛ فلا إحسان للناس يؤجر عليه صاحبه إلا بنية، فإذا صلحت النية صلح العمل، وعظم الأجر، وإذا فسدت فلا أجر، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله؛ أزكى الناس نفسا، وأكرمهم طبعا، وأوسعهم حلما، وأحسنهم خلقا، أدبه ربه فأحسن تأديبه، فوسع بخلقه الناس كلهم، مسلمهم وكافرهم، مؤمنهم ومنافقهم، برهم وفاجرهم، ذكرهم وأنثاهم، كبيرهم وصغيرهم، عالمهم وجاهلهم؛ فما عرفت له كبوة في خلق، ولا زل لسانه بلفظة أخذت عليه ﴿ فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ القَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ ﴾ [آل عمران:159] صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه وأتباعه إلى يوم الدين.

أيها الناس: تحتل حقوق الخلق بعضهم على بعض مساحة كبيرة من الشريعة؛ فبهذه الحقوق يتعايشون، وبسببها يتوادون ويتحابون، وعليها يؤجرون؛ فحقوق للوالدين، وحقوق للأرحام، وحقوق للجيران، وحقوق لعموم المسلمين، وحقوق للكفار والمنافقين؛ فإن الله تعالى قد أعطى كل ذي حق حقه.

ومن أعظم الحقوق التي أكدت عليها الشريعة، وكثرت فيها النصوص: حقوق الجيران بعضهم على بعض:

فأوصى الله تعالى بحق الجار في كتابه ﴿ وَاعْبُدُوا اللهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي القُرْبَى وَاليَتَامَى وَالمَسَاكِينِ وَالجَارِ ذِي القُرْبَى وَالجَارِ الجُنُبِ ﴾ [النساء:36].

وأوصى به جبريل عليه السلام؛ كما في حديث ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَا زَالَ جِبْرِيلُ يُوصِينِي بِالْجَارِ، حَتَّى ظَنَنْتُ أَنَّهُ سَيُوَرِّثُهُ» متفق عليه.

وأوصى به النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في حجة الوداع كما في حديث أَبَي أُمَامَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمْ وَهُوَ عَلَى نَاقَتِهِ الْجَدْعَاءِ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ، يَقُولُ: «أُوصِيكُمْ بِالْجَارِ» حَتَّى أَكْثَرَ، فَقُلْتُ: إِنَّهُ لَيُوَرِّثُهُ» رواه الطبراني.

وجعل النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إكرام الجار من كمال الإيمان، فقال صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللّ