عطاء التفاعل الحضاري يعين على الاجتهاد

وتتيسر محاولات تفهيم الكليات وأمهات المسائل هذه الأيام بوجود ظاهرة ( التفاعل الحضاري) في المجتمعات الحديثة، فإن معظم دعاة الإسلام من جيل الصحوة والذين من قبلهم هم من المثقفين الذي يحيون حياة عصرية فيها قراءة للصحف اليومية ومشاهدة للبرامج التلفزيونية ، فوق ما حازه أكثرهم من دراسة جامعية وعليا. وهذه الدراسات والسماعات والمشاهدات لها تأثير مباشر ودور مكثف في صياغة عقلية الداعية ومفاهيمه العامة وأذواقه كفرد في المجتمع ، بغض النظر عن صفته الدعوية، ويصبح بوجود هذه التأثيرات صاحب استعداد جيد لاستقبال علم القواعد والنتائج والأصول وفهمه بسرعة ، وبشكل قد يعجز عنه الطالب الذي يحيا حياة بدائية، أو الذي اختار له أستاذه أو اختار لنفسه العزلة اليابسة التي تنحرف بمزاجه وأذواقه ، وكان أكثر الكلام المنقول عن الفقهاء في ضرورة التدرج في التدريس وتقديم الجزئيات على الكليات كان يراعي من هم على هذه النمط من اليبوسة والعزلة المنتجة للسذاجة والبساطة.

إن إيماء المعادلات الرياضية لدارس الرياضيات ، كمثل من أمثلة التفاعل الحضاري- هو إيماء قوي جداً ، يغرس في اصل عقل الدارس وفي لا شعوره معاني التعادل والتوازن والتساوي المطلق أو التساوي النسبي ، في معاني أخرى هي نفسها مرتكزات لكثير من القواعد الفقهية ، بحيث يتلقف الداعية الرياضي هذه القواعد حيث روايتها له بسهولة ويسر، نتيجة الخلفية الذهنية المساعدة التي يملكها.

والداعية الكثير النظر للأشكال الهندسية ، وما فيها من تناظر ، أو تدرج في الأطوال أو تميز بحدود حادة، أو تجاور للمساحات الصماء وذوات الثغرات ، وأمثال ذلك: هو داعية طريقة ممهد لمرور معاني الفقه في التدرج والاستثناء والفروق والشروط ، بالتوطئة التي صنعتها الهندسة.

وداعية أخر أطال استمتاعه بجدول الألوان وما ينسجم منها وما يتنافر، ومرت عينه على موازين الجمال الفني : هو داعية أسرع إحاطة بما في النتائج الفقهية من منطق متجانس صحيح.

وهل إيحاء معنى التكامل والتصاعد أقل منه لدى دارس الكيمياء الذي يحيط علماً بالجدول الدوري للعناصر ، ويعرف خبر ما يفعله كل بروتون يضاف لنواة الذرة من خصائص جديدة ؟

وهذه أمثلة فحسب لما عسى أن يسببه التفاعل الحضاري وتناول العلوم التطبيقية والفنون من توسيع للآفاق وتفتيح للأذهان يسهل معهما التفهيم الفقهيء، والداعية اليوم أن لم يكن جامعيا فهو مشاهد للتلفزيون ، قارئ للصحف ، وحائز من مطالعاته ومشاهداته لنصف العلم، ثم هو سائح في مدن وطنه أو مدن العالم يرى نتاج المهندسين والفنانين مع كل نظرة وإن لم تكن عامدة فتنطبع في لا شعوره الموازين والظواهر الحيوية الممهدة لاستقرار الموازين الشرعية.

* الجمال .. وغرام العقل

وأما من لا يحيا حياة العلوم وانعزل في قرية بين الخضرة والجبال والطير فليس هو بأقل من صاحب التفاعل الحضاري ، فإن هذا ترق أحاسيسه ويحدث له ما يحدث للشعراء من إرهاف والتذاذ بالجمال ، فتزكو نفسه، وتتزن وتطمئن ، حتى تكون سكينتها هي الممهدة لقواعد الفقه الكبيرة ، وله مع لون وشكل كل وردة خلقها الله تعالى وتلمسها أناملها وتقبلها شفته وينطبع خيالها في شغاف قلبه : عقليه أخرى لميزان من موازين الفقه، وإطلالة عن الاجتهاد.

لكن المحروم هو من حرم هذا وهذا ، فعاش في عزلة عن الحضارة المدنية ، وعن آيات الله في الآفاق، وهو من سجن نفسه بين الجدران حتى يخشوشن طبعه ويتبلد علقه، أو حبسه أستاذه في مدرسته وجعل له من وظيفة حفظ الحواشي ما يطيل معه حتى ظهره ، ولمثل هذا كانت وصايا تدريس علم الجزئيات قبل الكليات.

قلوب أمم

ولا يظنن ظان أن هذا النمط من تأثير التفاعل الحضاري أو الروح الشاعرية إنما هو وليد عصرنا الراهن، بل هو قديم ضارب في القدم، ولذلك كان علماء بغداد ودمشق القاهرة وقرطبة وأمثالهم أوعى من علماء النواحي القصية، لتفاعلهم مع معطيات الحضارة الإسلامية التي كانت عامرة في هذه العواصم، ولذلك أيضاً كان شعراء الإيمان في تاريخ الإسلام أصحاب مهارة في فقه النفوس ووصف خصائصها وأحوالها، لانعكاسات الحياة الجمالية التي عاشوها مع الشجر وترقرق الماء حتى أن الواحد منهم ليعد مؤسسة ثقافية شاملة لوحده، بما يحوز من أحاسيس وخواطر يصطادها وتأملات في حوادث الدهور ينتبه لها ، وروي تاريخية ، ولغة ثرية ، وربما يكون أحدهما مقلا لم يترك غير قصائد قلائل أو قطعا متناثرة، لكنها تشكل اكتشافات لسنن الفطرة هي في أصول الذوق وأصول حركات القلب أخوات أصول فقه المعاملات.

*ربانية التعليم قضية منهجية خططية

ونظراً لهذه الحقائق من تأثير التفاعل الحضاري او الجمالي في الصياغة العقلية والنفسية للمتفقة فإن على التربية الدعوية إذا إرادات لمتدربيها إتقان صنعة الاجتهاد الإبداعي أن تنحى منحى دفع الدعاة ، وفق منهج متكامل – للعيش في البيئة الحضارية العلمية ، والتعامل معها ، والاستلال منها ، مع ما يكملها من سياحة وتعرف على خلاصة عقول وعلوم وفنون البشر عبر آلاف السنين ، المعروضة في دور الوثائق والمتاحف والأماكن المصانة، ثم في مطالعة صفحات جمال ما خلق الله في البراري والبحار، أو تكثيف مطالعة الخطوط السود في الصفحات البيض مما سطرته أنامل كل إنسان ، من أدب شعري ونثري فيه رمز وخيال وعاطفيات وانتقاء ألفاظ، أو تاريخ يكشف الحقائق ويحلل دروس الحياة ويقابل بين قبح الظلم وإشراق العدل ، أو وصف يعين على تصور البعيد ومعرفة ما غاب ، أو فقه لغات يطور الاشتقاق الذي فيه إلى مهارة في قياس الأحكام.

إن قضية ( تداخل) صغار العلم وكباره، أو تسلسلهما، ليست هي مجرد وصية تقدم إلى المعلمين ترجوهم أن يتقنوا في التربية وفق معيارها ، فمنهم متقن وقليل إتقان، وإنما هي – في وجهها الأهم – قضية منهجية عميقة ينبغي أن يحكمها التخطيط التربوي بعيد المدى، وعلى المنهج الجماعي أن يراعيها وضع جداول عملية تطبيقية لتبليغ وتفهيم الثوابت والموازين والأصول والقواعد لعموم الدعاة بعد إحصائها وتصنيفها نوعيا، وكذلك الفروع ومفردات الأحكام، لكن طبقة ما يوازي حاجتها ومقدار استيعابها ، ويستعين بلمسات منهجية متناسقة مع اختياراته يلزم بها المجلات الدعوية، ويطلب من اللجان والأجهزة المركزية أن تنسجم نشرياتها وأساليب كتابتها مع تلك الاختيارات أيضا، ثم بأن يتضمن المنهج ما نتمناه للداعية من ذاك الحضور في البيئة الحضارية، والسياحة، ونيل الثقافة العامة ، والعيش التأملي مع جمال الخليقة ومع آيات الله في الآفاق العريضة، يتعنى لأقصاها ، ويتغنى – مثل داود عليه السلام – مع تسبيحات الجبال والطير.. ثم يكون آخر دعائه أن : الحمد لله رب العالمين.

ــــــــــــــــــــ