الحمدُ لله حمدًا زاكِيَ الأثرِ مُردَّد الذكرِ بالآصالِ والبُكَرِ

فيا أيها الإنسان بادِر إلى التُّقَى وسارِع إلى الخيراتِ ما دُمتَ مُمهَلُ

فما أحسنَ التقوى وأهدَى سبيلَها بها يرفعُ الإنسانُ ما كان يعملُ

بين صُروف الدهر وتقلُّبات الأيام، يأتلِقُ شهر الخير والبركة شهر الصيام والقيام .. فها هو شهرُ رمضان المبارك قد غمرَ الكون بضيائِه، وعمرَ القلوبَ ببهائِه وسَنائِه.

شهرٌ جرَت بالطاعات أنهارُه .. وتفتَّقَت عن أكمام الخير أزهارُه .. واسَّمَّع المسلمون في لهيفِ شوقٍ لمقاصِده وأسراره .. وأصاخُوا في خشوعٍ إلى مَرامِيه المُستكِنَّة وأخبارِه.

هنيئًا يا بني الإسلام طُرًّا ***فقد وصل المباركُ بالعطاءِ

فحيُّوا شهرَكم بجميلِ صومٍ ***فكم فرِحَت قلوبٌ باللقاءِ

برؤيةٍ مقاصديَّة في تنزيل مقاصِد الشريعة على أحكام الصيام وحِكَمه، يُدرِك المُكلَّفون أن الصيام إنما شُرِع لمقاصِد عُظمى وأحكامٍ جُلَّى، بها يُجدِّد المُسلمُ شِيَمَه التعبُّديَّة المحمودة، ويُعاوِدُ انبِعاثتَه في الخير المعهودة.

فيترقَّى في درجات الإيمان، وينعمُ بصفات أهل البرِّ والإحسان؛ حيث لم يقِف الشارعُ الحكيمُ عند مظاهر الصوم وصُوره؛ من تحريم تناوُل المُباحات والطيبات فحسب؛ بل عمِدَ إلى سمُوِّ الروح، ورُقِيِّ النفس وحفظِها، وتكيةِ الجوارِح والصعود بها من الدَّرَكِ الماديِّ إلى آفاق السمُوِّ الروحيِّ، والعلوِّ الإيمانيِّ والقِيَميِّ.

وقد جاءت فريضةُ الصيام لتحقيق المصالِح وتكمِيلها، ودرء المفاسِد وتقليلِها، كما تحقَّقت فيها الضرورات الخمسُ وجودًا وعدمًا، واليُسرُ ورفعُ الحرَج. ولهذا جاء هذا المقصِدُ العظيمُ في ثنايا آيات الصيام.

كما اختصَّ الله – عز وجل – هذه العبادة دون سائر العبادات، من حيث نسبتُها إليه – سبحانه -، كما في الحديث في “الصحيحين”: «كل عملِ ابنِ آدمَ له إلا الصوم؛ فإنه لي وأنا أجزِي به».

وحسبُكم بذلك شرفًا وفضلاً.

يقول الإمام ابن القيم – رحمه الله -: “الصيامُ لِجامُ المُتقين، وجُنَّةُ المُحارِبين، ورياضةُ الأبرار والمُقرَّبين، وهو لربِّ العالمين من بين سائر الأعمال، وهو سرٌّ بين العبد وربِّه لا يطَّلِعُ عليه سِواه ..”. إلى قوله – رحمه الله -: “والمقصودُ أن مصالِح الصوم لما كانت مشهودةً بالعقول السليمة والفِطَر المُستقيمة، شرعَه الله لعباده رحمةً بهم وإحسانًا إليهم، وحِميةً لهم وجُنَّة”.

ويقول العلامةُ الإمامُ الكمالُ بن الهُمام – رحمه الله – في مقاصِد الصوم: “إن الصوم يُسكِّن النفسَ الأمَّارة بالسوء، ويكسِرُ سورَتَها في الفضول المُتعلِّقة بجميع الجوارِح”.

وتبرُزُ أجلَى مقاصِد الصيام في حفظِ الدين، وتحقيق التقوى التي هي الغايةُ القُصوى والهدفُ الأسمَى من مشروعيَّة الصيام.

قال الإمام البغويُّ – رحمه الله -: ” لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ يعني: بالصوم؛ لأن الصوم وصلةٌ إلى التقوى، لما فيه من قهر النفس وكسر الشهوات”.

وكذا في المُحافظة على العبادات وتلاوة القرآن، والذكر، والدعاء، والاعتِكاف.

كما تتجلَّى مقاصِدُه في حفظِ النفسِ وحبسِها عن الغرائِز والشهوات، وانبِعاثِها في الطاعات والقُرُبات، وفي حفظِ العقل وكبحِ جِماحه بتضييق مجارِي الشيطانن وكسرِ سَورَته، وإزالة الهواجِس والأوهام.

وفي حفظِ العِرضِ بالكفِّ عن الغِيبَة والنميمة والبُهتان، وقد روى البخاري في “صحيحه” من حديث أبي هريرة – رضي الله عنه -، قال: قال رسولُ الله – صلى الله عليه وسلم -: «من لم يدَع قولَ الزورِ والعملَ به فليس لله حاجةٌ في أن يدَع طعامَه وشرابَه».

وفي مقصِد حفظِ المال بالبذل والإنفاق، وعدم الإسراف والتبذير، والإحسان إلى الفقراء والمساكين والمنكوبين.

إن الصيامَ مُواساةٌ وإحسانُ قضَى بذلك قرآنٌ وبُرهانُ

نِعمَ الصيام مع المعروفِ تبذُلُهُ وليس فيه مع الحِرمانِ حِرمانُ

إنه لا تتحقَّق للصيام مقاصِده، وتنعقِدُ مراشِدُه إلا باتباع هديِ النبي المُصطفى – صلى الله عليه وسلم -.

يقول الإمام الماورديُّ – رحمه الله -: “مُنِح – صلى الله عليه وسلم – من السخاء والجُود، حتى جادَ بكل موجود، وآثرَ بكل مطلوبٍ ومحبوب”.

يا صائمًا تركَ الذنوبَ تعفُّفًا*** أضحَى رفيقَ الصبر واللَّأواءِ

أبشِر بعيدِك في القيامةِ ***رحمةً محفوفةً بالبرِّ والأنداءِ

ألا فاتقوا الله – عباد الله -، وحقِّقوا مقاصِد الصيام قولاً وعملاً .. تراحَموا، تسامَحوا، تصافَحوا، تصالَحوا .. فرمضان فُرصةٌ لاستِشعار المعانِي السامِية التي قصدَ إليها الدينُ الإسلاميُّ الحَنيف، يتوارَدُ في تحقيق هذه المهمة العظيمة: البيتُ، والأسرة، والمسجد، والمدرسة، والمُجتمع، ووسائل الإعلام، وقنوات التواصُل الحديثة.

وهل كِفاءُ ذلك إلا المنازِلُ العُلَى في الجِنان، مُفتَّحةً للدخول مع بابِ الريَّان؟!

فيا طُوبَى للصائمين .. ويا بُشرى للقائمين.

أعوذُ بالله من الشيطان الرجيم: شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ [البقرة: 185].

بارَك الله لي ولكم في القرآن والسنة، ونفَعني وإياكم بما فيهما من الآيات والحكمة، أقولُ قولي هذا، وأستغفرُ الله العظيمَ الجليلَ لي ولكم، ولكافة المسلمين من كل خطيئةٍ وإثمٍ، فاستغفِرُوه وتوبُوا إليه، إنه كان للأوابين غفورًا.

الحمد لله، جعل الصيام جُنَّة، وسببًا مُوصِلاً إلى الجنة، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له إلهُ الناس والجِنَّة، وأشهد أن نبيَّنا محمدًا عبدُ الله ورسولُه أعظمُ رحمةٍ وأكرمُ مِنَّة، صلَّى الله وسلَّم وبارَك عليه، وعلى آلهِ وصحبِه دُعاة الكتاب وكُماة السُنَّة، والتابعين ومن تبِعَهم بإحسانٍ إلى يوم الدين.

تلك شَذَراتٌ من مقاصِد الصيام وأسراره، وذيَّاكم وميضٌ من نوره وآثاره. فما أحوجَ الأمة الإسلامية إلى الاستِفادة من دروس الصيام ومقاصِده، والتأسِّي برسولِ الله – صلى الله عليه وسلم – في هذا الشهر العظيم، والتمسُّك بنَهجِه القويم، والاعتِصام بحبلِ الله المَتين، والاحتِكام إلى شريعتِه وبيان محاسنِها، والدفاعِ عن مبادِئ الإسلام، والاجتماع على مُحكَمات الشريعة ومُسلَّماتها.

------------------------

الشيخ /عبد الرحمن السديس - موقع السكينة